الاثنين، 11 مايو 2009

أسمى صورة للإنسانية

هل تستطيع أن تأخذ إنسانا على ما هو عليه؟ تحبه كما هو؟ تحترمه كما هو؟ بكل قناعاته واعتقاداته، بكل أفكاره وانشغالاته... أن يكون تقييمك له مجردا من أي أحكام مسبقة... مبنيا على ما تراه منه من فعل ورد فعل... أن يكون نتيجة منطقية لما هو عليه... هل تستطيع ذلك؟
أنا استطعت، وبنيت صداقات جميلة مع أشخاص لم اصدر عليهم حكما مسبقا، ربما أصدرته في الماضي، عندما كان أفقي محدودا... متأثرا بما يحدث حولي، لكن العقل المجرد من أي عواطف منحرفة، قادني إلى إصدار أحكام... ربما لم أكن لأصدرها لو كنت في غير وضعي الآن...
جلست إلى جانب مسلمين شيعة وسنيين، ومسيحيين ويهود، على نفس طاولة العشاء... تكلمنا في كل شيء: في الحب... في تقاليد الزواج لكل بلد... في حرية التعبير لكل بلد... في تنوع الأطباق والطبخ... ضحكنا من كل شيء... وعلى كل شيء... ضحكنا من الدجاج المحلى والنكت التي لا تضحك، تكلمنا اللهجة المصرية مخلوطة باللبنانية... تكلمنا اللهجة الجزائرية واللهجة المغربية واللهجة التونسية... تكلمنا اللغة الانجليزية والفرنسية والعربية وبعض الاسبانية والايطالية... قلعنا لباسنا العادي على الموضة، ولبسنا الجلابة المغربية... رقصنا الرقص الشرقي على واحدة نص... رقصنا الدبكة اللبنانية... والصالصة.... ورقصنا على أنغام الراي الجزائري... غنينا كل الأناشيد الوطنية، والأغاني المعروفة في كل قطر... أحببنا بعضنا كثيرا... لم نكن نفترق ليلا ولا نهارا، أفضينا بأسرار حياتنا لبعضنا البعض... قصص حبنا وفشلنا وسعادتنا، والمغامرات الخطيرة التي مررنا بها، شهدنا مرور الزمن وآثاره القوية من خلال الأوراق الصفراء للكتب المقدسة... من خلال البئر الجافة للمعبد اليهودي... من خلال تآكل الخشب وتمزق الأقمشة الجميلة... من خلال الأماكن المهجورة التي كانت في يوم من الأيام تعج بالحياة: لابد أن الماء المقدس الذي كان أسفل المعبد قد غسلت منه عروس في قمة سعادتها لان يوم قرانها بحبيبها قد أزف، وربما شهد المكان حزنا شديدا لعروس أخرى زوجت بالإكراه من رجل بينما تحب آخر... ربما جلس في المكان الذي جلست عليه رجلا يحمل كل مشاكل الدنيا على رأسه ولا يجد لها حلا... وقد أتى لاجئا إلى المعبد يطلب مساعدة الرب... لكنه لم يكن يعلم أن الزمن كفيل بمسح كل الهموم وحتى بمسح الحياة وآثارها، لم يكن يعلم أنني سآتي في القرن المقبل واجلس في نفس المكان أتفرج بذهول وعجز على سلطان الزمن وقوته، لم يكن يعرف أن مسلما ومسيحيا سيدخلون المعبد، ليشاهدوا المكان الذي شهد حزنه وتعبه، وقد أصبح في طي النسيان، ولن يحسه من يجلس على نفس المقعد... من خلال المقبرة التي تذكرنا بنهايتنا المحتومة والتي ننساها دائما في خضم معارك الحياة... سندفن وسيمر علينا الزمن كذلك وسيقف على قبورنا شباب جاؤوا من مختلف بقاع الأرض ليشهدوا مرور الزمن على حضارتنا... وقد أثر في نفسي الاستعمال الكثير لكلمة " كان" من طرف رافي دليلنا في الرحلة... والتي تذكرنا بان الحاضر يصبح ماضي... حزنا كثيرا لفراق بعضنا البعض، وبكى معظمنا... فنحن لا نعلم إذا كنا سنلتقي ثانية وقد أصبحت تجمعنا مشاعر إنسانية راقية، لا تتأثر بدين ولا بعرق ولا بحدود سياسية لبلد ما... مشاعر إنسانية خالية من أية حسابات أو انتظار مقابل... مشاعر جعلتنا نحس بإنسانيتنا الجميلة والفطرية التي خلقنا الله عليها... عاملنا بعضنا كبشر وليس كشيعي أو سني أو يهودي أو مسيحي، أحببنا بعضنا على ما نحن عليه... بكل ما فينا من ميزات البشر وعيوبهم لا فرق بين: الاحمدين.. رويدا.. جيسي.. ناصر.. رافي.. ليلى.. معالي.. مجدي.. عبد الله.. كوثر.. هناء.. لورين.. بشير.. ربيكا.. مروان.. فاطمة.. عائشة.. سلمى.. داليا.. مليحة.. شراز.. سامي.. والجميع ممن نسيت ذكره هنا، افترقنا... ركبنا طائرات متجهة إلى اتجاهات كثيرة، لكن كلنا ودعنا ارض المغرب وفي نفوسنا ذكريات كثيرة مشتركة... أثرت فينا بدرجات مختلفة، لكنها راسخة فينا، كيف لا وهي أسمى صور الإنسانية...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق